ابن هشام الأنصاري
45
شرح قطر الندى وبل الصدى
[ المبني على السكون مثل كم ومن ] ولما فرغت من ذكر المبنيّ على الضمّ ، ذكرت المبنيّ على السكون ، ومثّلت له بمن ، وكم ، تقول : « جاءني من قام ، ورأيت من قام ومررت بمن قام » ، فتجد « من » ملازمة للسكون في الأحوال الثلاثة ، وكذا تقول : « كم مالك ، وكم عبدا ملكت ، وبكم درهم اشتريت » ف « كم » في المثال الأول في موضع رفع بالابتداء عند سيبويه ، وعلى الخبرية عند الأخفش ، وفي الثاني في موضع نصب على المفعولية بالفعل الذي بعدها ، وفي الثالث في موضع خفض بالباء ، وهي ساكنة في الأحوال الثلاثة كما ترى « 1 » . ولما ذكرت المبنيّ على السكون متأخرا خشيت من وهم من يتوهم أنه خلاف الأصل ؛ فدفعت هذا الوهم بقولي : « وهو أصل البناء » .
--> - الإعراب : « إذا » ظرف لما يستقبل من الزمان خافض لشرطه منصوب المحل بجوابه « أنا » نائب فاعل لفعل محذوف يفسره المذكور بعده ، على الراجح عند جمهور البصريين ، وهذا الفعل المحذوف مع نائب فاعله جملة في محل جر بإضافة إذا إليها ، وهذا معنى قولنا « خافض لشرطه » وقوله « لم » حرف نفي وجزم وقلب « أومن » فعل مضارع مبني للمجهول ، مجزوم بلم ، وعلامة جزمه السكون ، ونائب فاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنا ، والجملة من الفعل المذكور ونائب فاعله المستتر لا محل لها مفسرة ؛ لأنها دلت على الفعل الذي يكون بعد إذا « عليك » جار ومجرور متعلق بقوله أومن « ولم » الواو عاطفة ، لم : حرف جزم ونفي وقلب « يكن » فعل مضارع مجزوم بلم « لقاؤك » لقاء : اسم يكن على تقدير جعلها ناقصة ، أو فاعل بها على تقدير كونها تامة ، ولقاء مضاف والكاف ضمير المخاطب مضاف إليه ، مبني على الفتح في محل جر « إلا » أداة استثناء ملغاة لا عمل لها « من » حرف جر « وراء » ظرف مكان مبني على الضم في محل جر بمن ، والجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر يكن ، فإذا جعلت قوله « لقاء » فاعلا ليكن على تقدير كونها تامة كان الجار والمجرور متعلقا بمحذوف حال من الفاعل « وراء » تأكيد للأول . الشاهد فيه : قوله « من وراء وراء » حيث وردت الرواية بضم هذه الكلمة مع أنها مسبوقة بحرف الجر ؛ فدل ذلك على أنها مبنية على الضم ، وإنما بنيت لأنه حذف المضاف إليه ونوى معناه لا لفظه ، وقد قدمنا لك السر في البناء في هذه الحالة . ( 1 ) لا فرق في « من » بين أن تكون موصولة ، أو استفهامية ، أو شرطية ، أو نكرة موصوفة ، فهي مبنية على السكون في جميع هذه الأحوال ، كما لا فرق في « كم » بين أن تكون استفهامية ، أو خبرية - وستعرف في باب التمييز فرق ما بين كم الخبرية والاستفهامية - وإنما بنى « من ، وكم » لشبههما بالحرف في المعنى أو نحوه ، فإن من الاستفهامية أشبهت في المعنى همزة الاستفهام ، ومن الشرطية أشبهت إن الشرطية في المعنى ، ومن الموصولة أشبهت الحرف في الافتقار إلى جملة كسائر الموصولات ، وأما « كم » الخبرية فقد أشبهت في المعنى « رب » فإنها تدل على التكثير ، ومن العلماء من ذكر أنها أشبهت حرفا كان يجب أن يوضع لكن العرب لم تضعه ، كما قالوا في بناء اسم الإشارة .